معرض
“استدعاء اللقطات” في “Q – Contemporary”
عالم الديجيتال يحضر بقوة فنياً وسياسياً
تقدم غاليري “Q-contemporary” الجزء الأخير من ثلاثية “استدعاء اللقطات” (حتى 28 أيار الحالي)، الذي يشتغل على اللحظة، والديجيتال والسياسي، محاولاً وضع المتفرج في جوار عالم هائل متغير، لصيق به، يشكل هو نفسه جزءا من حراكه الكبير، والضريبة التي عليه دفعها.
آثر مدير الغاليري معتز قباني، أن يدخل المتفرج منذ التفصيل الأول، في بئر الديجيتال. ليس هناك لوحات تعريفية بالفنانين، كما لا نشاهد أي عنوان مكتوب. ألواح صغيرة الحجم، في كل منها مربّعات تبدو عشوائية بالابيض والأسود. يشعر القارئ لوهلة بالضياع، لكنه “عصر الديجيتال” كما يسمّيه قباني. يقدم المعرض “آي باد”، ويتم من خلاله الدخول إلى التفاصيل المتعلقة بكل عمل. حين تقرِّب الـ”آي باد” من “لوحة المربعات بالأبيض والأسود” تتفكك أمامك الألغاز، فتظهر على الفور معلومات رقمية في شأن كل عمل وصاحبه. اللعبة تحمل من الخفة، ما تحمله من المسؤولية والخطورة ايضا. ثمة جانب إيجابي في تحويل الديجيتال مادة فنية، إلا أن المساحة الداكنة التي توضع فيها اذهاننا، تكمن في السلطة التي تمارس علينا يوميا من خلال إدراجنا كمصطلحات أو نوافذ في غابة القاموس الرقمي. ننفذ إلى الجانب السياسي في المعروضات، إلى تلك الحقيقة المتمثلة في كوننا بضاعة يجب أن تبقى على قيد الحياة، لكي نغذي العملاق الرقمي. علينا أن نكون بيانات، تستهلك نفسها، تطيع، تتفاعل، تتأثر، تعجز، وتبقى في الظل.
عمار البيك (سوريا) يقدم تجهيز “بانتظار غراندايزر”، في مقاربة بين جينيريك المسلسل الشهير بالنسخة اليابانية الأصلية، والنسخة العربية المدبلجة. شاشتان، بينهما الكرة الأرضية معلّقة في الهواء (يستخدم القوى الإلكترومغناطيسية لتحريكها). يشكل الكارتونز القاعدة “الرقمية” البدائية، التي يبني عليها البيك مقاربته للحرب بوصفها شكلا مجردا، متصلا بالظرف، والتراكم الحدثي، لكنها شكل متعلق بالهيمنة الأميركية (حرب اميركا على العراق/ حرب أميركا على اليابان – قنبلتا هيروشيما وناكازاكي). المشاهد المأخوذة من الحرب على العراق، والحرب على اليابان، توظف بصورة إخبارية، سردية. تتمثل القيمة الفنية للعمل في الخيوط التي يمكن أن تشبك أجزاءه الثلاثة. الأرض التي تدور، تقف بين جزءيها المتشابهين: العراق واليابان.
شيلا هيبيرو (“عيونكم حلوين”، البرازيل)، تستثمر مفهوما سياسيا من حيث عرضها ثلاث شاشات تحمل كل منها “كودا” حيا. بنت هيبيرو عملها على فكرة مسح العين الموجود في بعض المطارات. العين، العضو الأكثر حساسية، تُقتحَم بالآلة، ويُنتهَك سكونها، وجمالياتها، بعكس بصمة الإصبع التي نقوم بها بأنفسنا. يتمايز هذا العمل ببعده البيو – سياسي. ثلاثة مربعات (QR codes)، يتم اختراقها بالـ”آي باد”. الأول يفضي إلى مجموعة البيانات المتعلقة بالعين، على الإنترنت (تتغير باستمرار). اللوحة الثانية، تستثمر عين المتفرج، للنفاذ إلى قلب العمل، إذ نستطلع عدد المعلومات المتعلقة بمسح العين في اللحظة الراهنة. التفاعل يدخل حيز الممارسة هنا، من حيث إدراج عين المتفرج في عملية التلصص على العيون الأخرى، وإشراكها في قلب الموقف السياسي للفنانة. تصبح الأمكنة بينات متماثلة من حيث الصورة، وخريطة العالم مجموعة من نقاط الانطلاق. اللوحة الثالثة، رقمية بالكامل، وتدمج الفن باللحظة الراهنة. نتموقع كمتفرجين، إذ تظهر أمامنا أحدث التعليقات الحية على موقع “تويتر” حول ثورات العالم العربي. هبوط العين البشرية إلى حيث عين رقمية مجهولة، تسجل قراءتها السياسية، من دون شرط يربطها بالحدث مباشرة، أو بنا.
علي شري (“دائرة حول الشمس”، لبنان) ينطلق من مسائل ذاتية، عبر السرد، لتفكيك التاريخ اللبناني، وتبيان علاقة المدينة الآنية بسكانها. جسده وعلاقته بالظلمة، والصوت، والحرب، وهربه إلى الروح عبر سلوكه طريقا عموديا الى الداخل، واشتغاله على تجريد هذه المشهديات متفاديا الدراما. يتخذ الفيلم شكلا ثابتا، بلا فانتازيات. لكنه، نتاج رقمي من حيث بطريقة تصويره والعمل عليه. أيمن يسري ديدبان (السعودية)، يقدم شاشة كبيرة سوداء، يظهر في زاويتها السفلى إلى اليسار، محمد علي كلاي مستندا إلى الحبال، يتلقى اللكمات من جورج فورمان، مع عبارة بالعربية “أدخل إلى وسط الحلبة يا علي”. حين ننظر إلى العمل، يظهر انعكاس صورتنا في وسط السواد تماما. ما يفترض به فراغا او نقصا في الشاشة، يتحول حيزاً نقع في فخه بصورة لا إرادية.
يعمل الديدبان على إظهار العيوب في الترجمات العربية، وتحول الذاكرة مستوعباً لهذه العيوب في فترة من الزمن. أما أنسن أتيلا (“عيِّنات”، تركيا)، فيعبر من الديجيتال والكومبيوتر إلى التأليف الصوري. يحاول ابتكار ملامح وجهية وجسمانية، مقرّبا الرقمي من الواقعي واليومي. يركّب أجزاء عمله من مواد متخيلة، ألّفها بنفسه، باستخدامه الكومبيوتر. يعرض التركيب صورة امرأة جالسة، معدّلا في ملامحها الوجهية إلى الحدود القصوى الممكنة. يذهب أتيلا أبعد من الحدود المتوقعة للرقمي. من الفوتو شوب، نحو صناعة الصورة نفسها، وابتكار الشكل. عمله يشتمل كذلك على الأثر الذي يتركه السياسي والاستهلاكي في صناعة الفرد.
جوسلين صعب تعرض “نجمة”، وتظهر المدى الذي قد تبلغ به الكاميرا قوة الديجيتال، من حيث تصويرها أجساد باربي، ومقاربتها التي تضيِّع العدسة في الإلكتروني. نندهش لأن عملها محض تصوير فوتوغرافي صممته بما يخدع العين. تسلك بذلك، طريقا معاكسا لشغل أتيلا. ما تقدمه يفتح الباب امام ابعاد جديدة للكاميرا وقوة الصورة المأخوذة بمواد حية، مادية، غير معدّلة إلكترونيا. عالم مجرد، فوضوي، رمزي، غامض وبارد كذلك، ما تبثّه الفنانة والمخرجة هو عالم الديجيتال الذي يخاطب العقل إلى حد كبير. أما الألمانية ذات الأصول الإيرانية أنيتا رازمي (“سرقات”، ألمانيا/ إيران) فتعرض خمس شاشات في كل منها صورة امرأة (رازمي) تصوّب مسدسا نحونا. نكون في الداخل. الصورة أكثر وضوحا وتخطيطا وخبثا بحيث أنها تتضمن الفعل المنطوق والفعل الذي توشك الفنانة أن تقوم به. يطوع “سرقات” المفردات الإنسانية للنفاذ إلى حلة قبيحة، تماهي بين الواقعي (فعل السرقة)، والرقمي (صورة وهمية).
أنيتا دي فري (هولندا) تعرض لوحة هي مجموعة صور مثقوبة ومرصوفة بعضها فوق البعض. يقدم العمل الأبعاد القيمية للصورة التي لا يمكن اختراقها بالكامل. الصورة لا تبدو ذات بعد فني، ولا تتضمن تصويرا لونيا جماليا، بل تتكل على الأبعاد العمودية التي تختزنها، وقدرتها على استدراج العين إلى مستويات لونية مجتزأة، وفكرية في الوقت نفسه. اللعبة هنا، ذهنية، تستدعي حضورا بيولوجيا وإحساسا بالعمل. الجانب الرقمي ليس في التفاصيل أو في الطريقة إنما في الأثر الذي تتركه اللوحة والمفهوم الذي يقف خلفها.
“إجلس أرجوك” لمحمد الرواس (لبنان) يحتل الحيز الاكبر من المعرض. ست لوحات (حرير، كولاج، وحبر صيني على الورق)، “دي في دي”، LCD screen، وكابينة خشب تعرض فيها شاشة فيديو وكرسي. المرأة، تعطى الفضاء الأوسع من حيث انها مادة العمل والمعمعة الأنيقة التي يحدثها الرواس. يحافظ على لغته في الكولاج، واستخدام الوسائط البصرية الحديثة والكومبيوتر، لتوليد شحنات تتجمع تباعا في المخيلة. يستخدم نسختين من صورة لامرأة على عكازين، عارية، يغطي حوضها ونهديها بما يشبه شريطا لاصقا. بين الصورتين يضع كرسيا خشبياً صغيرا. المساحة السردية تتداخل مع رمزية الصورة، وتُظهِّر تداعياتها من دون أن تبالغ في الدراما. الأولوية للغة الفنية، التي تجمع بين الإيماءات والصورة والتركيب. يستخدم الرواس كذلك بيتاً لأبي نواس “قل لمن يبكي على رسم درس/ واقفا ما ضر لو كان جلس”، طاحنا الفواصل الجاثمة بين الاشكال الفنية، والتاريخ من جهة أخرى. العودة إلى الإرث الشعري تعني عودة إلى صورة غير موجودة، متخيلة تماما بفعل العقل البشري، لا العين. لذلك، فإن الأصوات تغيب كليا. يعرض مجموعة من الأشخاص يؤدون، واحدا تلو آخر، الجملة نفسها بإيماءات اليد والجسد، ثم نقرأها على الشاشة. يبدو الرواس كمن يفكك الأسباب التي تمزق حرية الكائن، وتحوله علبة لتصريف السلطة، متفاديا التصنيفات الثنائية (ذكر – انثى). حيوية الفنان، تبدو حاضرة من خلال حرصه على نثر العناصر الفنية في فضاء الغاليري، وترك المشاهد يتصرف بها كما يشاء.
مازن معروف